ابن أبي شيبة الكوفي
581
المصنف
قولوا له فليوص ، وكانت تعبر الرؤيا ، فلا أدري أبلغه أم لا ، فجاءه أبو لؤلؤة الكافر المجوسي عبد المغيرة بن شعبة ، فقال : إن المغيرة قد جعل علي من الخراج ما لا أطيق ، قال : كم جعل عليك ؟ قال : كذا وكذا ، قال : وما عملك ؟ قال : أجوب الأرحاء ، قال : وما ذاك عليك بكثير ، ليس بأرضنا أحد يعملها غيرك ، ألا تصنع لي رحى ؟ قال : بلى والله لأجعلن لك رحى يسمع بها أهل الآفاق ، فخرج عمر إلى الحج ، فلما صدر اضطجع بالمحصب ، وجعل رداءه تحت رأسه ، فنظر إلى القمر فأعجبه استواءه وحسنه ، فقال : بدأ ضعيفا ثم لم يزل الله يزيده وينميه حتى استوى ، فكان أحسن ما كان ، ثم هو ينقص حتى يرجع كما كان ، وكذلك الخلق كله ، ثم رفع يديه فقال : اللهم إن رعيتي قد كثرت وانتشرت فاقبضني إليك غير عاجز ولا مضيع ، فصدر إلى المدينة فذكر له أن امرأة من المسلمين ماتت بالبيداء مطروحة على الأرض يمر بها الناس لا يكفنها أحد ، ولا يواريها أحد حتى مر بها كليب بن البكير الليثي ، فأقام عليها حتى كفنها وواراها ، فذكر ذلك لعمر فقال : من مر عليها من المسلمين ؟ فقالوا : لقد مر عليها عبد الله بن عمر فيمن مر عليها من المسلمين ، فدعاه وقال : ويحك ! مررت على امرأة من المسلمين مطروحة على ظهر الطريق ، فلم توارها ولم تكفنها ؟ قال : ما شعرت بها ولا ذكرها لي أحد ، فقال : لقد خشيت أن لا يكون فيك خير ، فقال : من واراها وكفنها ؟ قالوا : كليب بن بكير الليثي قال : والله لحري أن يصيب كليب خيرا ، فخرج عمر يوقظ الناس بدرته لصلاة الصبح ، فلقيه الكافر أبو لؤلؤة فطعنه ثلاث طعنات بين الثنة والسرة ، وطعن كليب بن بكير فأجهز عليه وتصايح الناس ، فرمى رجل على رأسه ببرنس ثم اضطبعه إليه ، وحمل عمر إلى الدار فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس ، وقيل لعمر : الصلاة فصلى وجرحه يثعب ، وقال : لاحظ في الاسلام لمن لا صلاة له ، فصلى ودمه يثعب ، ثم انصرف الناس عليه فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنه ليس بك بأس ، وإنا لنرجو أن ينسئ الله في أثرك ويؤخرك إلى حين ، أو إلى خير ، فدخل عليه ابن عباس وكان يعجب به ، فقال : اخرج فانظر من صاحبي ؟ ثم خرج فجاء فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ! صاحبك أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة ، فكبر حتى خرج صوته من الباب ، ثم قال : الحمد لله الذي لم يجعله رجلا من المسلمين ، يحاجني بسجدة سجدها لله يوم القيامة ، ثم أقبل على القوم فقال : أكان هذا عن ملا منكم ؟ فقالوا : معاذ الله ، والله لوددنا أنا فديناك بآبائنا ، وزدنا في عمرك من
--> ( 44 / 19 ) أجوب الأرحاء : أي يقطع الحجارة ويصنع منها الرحى .